ابن العربي

170

أحكام القرآن

تطهّرن « 1 » في أكثر الحيض ، واعتبار قوله : يطهر في الأقل . قلنا : نحن وإن كنا قد حملناهما على معنى واحد فقد وجدنا لذلك مثالا في القرآن والسنة ، وحفظنا نطق الآية ولم نخصه « 2 » ، وحفظنا الأدلة فلم ننقضها ؛ فكان تأويلنا يترتّب على هذه الأصول الثلاثة ؛ فهو أولى من تأويل آخر يخرج عنها . جواب آخر - وذلك أنّ ما ذكرتموه من الجمع يقتضى إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر ، وما قلنا يقتضى الحظر ؛ وإذا تعارض باعث الحظر وباعث الحظر وباعث الإباحة غلّب باعث الحظر ، كما قال عثمان وعلىّ رضى اللّه عنهما في الجمع بين الأختين بملك اليمين : أحلّتهما آية وحرّمتهما آية ، والتحريم أولى . فإن قيل : قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ، ثم قال : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ، وهو زمان الحيض ، ومتى انقطع الدّم لدون أكثر الحيض فالزمان باق ، فبقى النهى ، وهذا اعتراض أبى الحسن القدوري . أجاب القاضي أبو الطيب الطبري فقال : [ المحيض ] « 3 » هو الحيض بعينه ، بدليل أنه يقال : حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ، فلا يكون لهم فيه حجّة . وأجاب عنه أبو إسحاق الشيرازي بأن قال : أراد بقوله : المحيض نفس الحيض ، بدليل قوله تعالى : قُلْ هُوَ أَذىً . فإن قيل : بهذا نحتجّ ؛ فإنه إذا زال الدم زال الأذى ؛ فجاز الوطء ؛ فإنّ الحكم إذا ثبت لعلّة زال بزوالها . قلنا : هذا ينتقض بما إذا انقطع الدم لأقلّ الحيض ؛ فإنه زالت العلة ولم يزل الحكم ؛ وذلك لفقه ؛ وهو أن اللّه تعالى بيّن علّة التحريم ، وهو وجود الأذى ، ثم لم يربط زوال الحكم بزوال العلة حتى ضمّ إليه شرطا آخر ، وهو الغسل بالماء ؛ وذلك في الشرع كثير . وأما طاوس ومجاهد فالكلام معهما سهل ؛ لأنه « 4 » خلاف لظاهر القرآن على القولين جميعا ، وهما تفسير الطهر بالانقطاع أو الاغتسال ؛ ولذلك حملنا قوله تعالى « 5 » : فَاطَّهَّرُوا

--> ( 1 ) في ا : حتى يطهرن ، والمثبت من ل . ( 2 ) في ل : ولم نخصص به . ( 3 ) ليس في ل . ( 4 ) في ل : ولا خلاف لظاهر القرآن . ( 5 ) سورة المائدة ، آية 6